أيها القارئ الذي لا يكتفي بالسطح…
إن أردتَ أن ترى الحكمة فيما يجري في حياتك… فابدأ بالصمت…
ليس صمتَ اللسان فقط… بل صمتًا أعمق… صمتًا يكفُّ فيه العقل عن الضجيج… عن التحليل المستعجل… عن إطلاق الأحكام قبل أن تكتمل الصورة… صمتٌ يفسح المجال… لما هو أوسع من إدراكك… وأرحب من تفسيرك.
ولهذا… حين أراد موسى عليه السلام أن يتعلّم من الخضر عليه السلام… قيل له:
﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾
لأن هناك أمورًا… لا يفسّرها العقل في لحظتها… ولا تستوعبها مقاييسك المعتادة… ولا تقاس بما اعتدتَ عليه من ظاهر الشريعة أو الأعراف أو المنطق القريب…
كخرق السفينة… وكقتل الغلام… أحداثٌ تُربك الفهم… لكنها… لم تكن عبثًا يومًا.
ولذلك قيل له:
﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾
لماذا؟
لأنه لم يُحِطْ بالشيء خبرًا… لم يرَ كامل الدائرة..! لم يرَ الصورة كاملة…
وسيحكم كما نحكم نحن… من زاوية واحدة… من خلفيةٍ دينية… أو ثقافية… أو أخلاقية… بينما الحقيقة… أوسع من كل ذلك!
كم من أمرٍ نفرَت منه نفسك… وكان في باطنه خيرٌ كثير…
وكم من حدثٍ ظننته كسرًا… وكان في حقيقته إعادة تشكيل…
هنا… يحتاج الإنسان إلى ركنين:
الصمت… والصبر..
لكن الصبر… ليس مجرد تحمّلٍ ظاهري… بل حالٌ أعمق…
فالصبر الحقيقي… لا يُنال إلا بالله:
﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
أي… أن تتعرّف عليه… أن تقترب… أن تُدرك أنه السميع… البصير… المحيط بكل شيء…
فكلما ازددتَ معرفةً به… خفَّ حكمك على ما يحدث… وهدأت مقاومة قلبك… واتّسعت رؤيتك..
لذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ هو يرى كل شيء.. فإذا أوقفت تفكيرك وجاهدت نفسك أن يكون فكرك فيه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾.. ستكون محايد الفكر — صابر!
فالصبر هنا… ليس صراعًا مع المشاعر… ولا قمعًا لها… بل هو… تحرّرٌ منها!
أن تخلو… حتى يصل ذهنك إلى سكونٍ صافٍ… لا يُعكّره خوف… ولا يُثقله اعتراض…
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾
﴿لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
ففي الطريق… قد يضيق صدرك… وقد تشتدّ بك اللحظة… لكن إن أمسكتَ بالصمت… وتعلّمتَ الصبر بالله…
سترى… أن كل ما كان يحدث لك… لم يكن ضدك… بل كان… يُعاد ترتيبك بهدوء…
ليليق بك ما كُتب لك…
The link has been copied!